كما ربي الله إبراهيم ﷺ فابتلاه في أول حياته بالإلقاء في النار، وفي آخر حياته بذبح ابنه إسماعيل، والابتلاء بذبح ولده أشد من الابتلاءِ بإلقاء نفسه في النار، وبعد تلك الابتلاءات العظيمة جعله الله إمامًا للناس، وأبًا لجميع الأنبياء من بعده، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
ولما وفى وقام بما أمره الله به، جعله الله ﷿ إمامًا للناس: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
فالله يُربي رسله قبل أن يملكهم مصائر الناس ومصالحهم، فلا نولي أحدًا قياده في عمل حتى ينجح في الاختبار، فإذا نجح في الاختبار استعملناه في ذلك العمل، فالله ﷿ رءوفٌ بالعباد، عظيم العناية بهم، يربي لهم الأنبياء، ثم يرسلهم إليهم بالرحمةِ والدين الحق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].