للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثانية: الدين أعرضوا عنه، وشغلوا نفوسهم بالأعمال، ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها، واشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه؛ فهؤلاء صرفوا قوتهم، وإرادتهم، في العمارة والتحصين، وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفاً من هدم البنيان: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)[النساء: ١١٥].

والفرقة الثالثة: رأت أن هذه الصفات ما خلقت عبثًا ولا سدى، وأنها بمنزلة ماء يسقى الورد والشوك، وأن ما خاف منه أولئك هو سبب الفلاح والنجاة، فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر، والبطر والظلم، والشر والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة، والحمية والمراغمة لأعداء الله، وقهرهم فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)[آل عمران: ٧٣ - ٧٤].

فأبقوه على حاله في نفوسهم؛ لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع كالخيلاء، فهي مبغوضة للرب، لكنها في الحرب أمام الأعداء، وعند الصدقة، محبوبة للرب.

وكذلك خلق الحسد مذموم؛ لكن صرفه إلى الحسد المحمود، الذي يوصل إلى المنافسة في الخير الذي يحبه الله، أمر محمود، كما قال النبي : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفقٌ عليه (١).


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٧٣)، ومسلم برقم: (٢٦٨/ ٨١٦) واللفظ له.

<<  <  ج: ص:  >  >>