للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك الضار أورثه قوة الحقد، وإن عجز عن وصول ما يحتاج إليه، ورأى غيره مستبداً به أورثه الحسد، فإن ظفر بما يحب ويحتاج أورثته شدة شهوته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه على الشيء، واشتدت شهوته له، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية، فاستعملها فيه، أورثه ذلك العدوان، والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فالنهر مثال هاتين القوتين الغضبية، والشهوانية، وهو منصب في جداول الطبيعة، ومجراها إلى دور القلب، وعمرانه يخربها وينفعها، ولا بد:

قال النبي : «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١).

فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه، فخرب ديار الإيمان، وهدم عمران الإسلام، وقلع أشجاره الطيبة، وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة.

وأما النفوس الزكية الفاضلة؛ فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق:

الأولى: أصحاب المجاهدات، والخلوات، والتمرينات، راموا قطعه من ينبوعه؛ فأبت عليهم حكمة الله، وما طبع الله عليه الجبلة البشرية، ولم تنقد له الطبيعة البشرية، فاشتد القتال، وحمي الوطيس، فانقطعوا، ولم يصلوا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)[النور: ٦٣].


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٥٢)، واللفظ له، ومسلم برقم: (١٠٧/ ١٥٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>