ومن أراد فَهم هذه الدرجة العالية فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس، يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه، ثم للناس منها بحسب إيمانهم، ويقينهم، ومجاهدتهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن مكارم الأخلاق أن يُنزل العبد نفسه مع الناس منزلة الجاني لا المجني عليه، والجاني خليقُ بالعذر، والله سلطه عليك بذنبك، وإذا علمت أنك بدأت بالجناية، فانتقم الله منك على يده، كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار له، وتفعل هذا كله عن سماحة نفس، وانشراح صدر، لا عن كظم، وضيق، ومصابرة، فإن هذا دليلًا على أن هذا ليس في خلقك، وإنما هو تكلف يوشك أن يزول إذا فقد سببه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
الدرجة الثالثة: أن يسير العبد إلى الله على قدم اليقين، وطريق البصيرة، والمشاهدة، ولا يتعلق في سيره بدليل، فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب سبحانه، ولا يستغني طرفة عين عن الدليل الذي يوصله إلى المطلوب، وهو الرسول ﷺ، فيقتدي بسننه، وآدابه في جميع أحواله، لتحصل له محبة الله، ومغفرة ذنوبه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وأحسن أحوال العبد أن يكون ذاكراً لربه في كل حال، مقدماً لمحبته على كل محبوب، ويرجوه ويخافه وحده لا شريك له، ويتقيه ويخشاه، والله ﷿ لا يدخل حبه في قلب العبد، حتى يخرج العبد حب غيره من قلبه، ولا يدخل عظمته في قلبه، حتى يخرج العبد عظمة غيره من قلبه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا