للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: يؤثره إجابة لداعي محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائماً إلى إيثار محبوبه بكل ما يحب، فإيثاره هو أجل حظوظه، فحظه في نفس الإيثار، لا في العوض المطلوب بالإيثار.

وهذا مطلب عالِ لا تفهمه إلا النفس اللطيفة المشرقة الورعة، وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فلتدرج.

والدين كله، والمعاملة كلها، في الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره، والنفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)[يوسف: ٥٣].

ولكن الذي يسهل على النفس هذا الإيثار أمور:

أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الإنسان وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما جبلها على بُغض المستأثر، ومقته، لا تبديل لخلق الله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)[الروم: ٣٠].

الثاني: النفرة من خلق اللئام، ومقت الشح، وكراهته له.

الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله لبعض المسلمين على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف على حده، بل لا بدَّ من مجاوزته إلى الفضل، أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق، والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل

<<  <  ج: ص:  >  >>