فكانت حياة النبي ﷺ العلمية والعملية نورُا على نور، وروحه كأنها من جنس أرواح الملائكة، لا تنقاد لشهوة، ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، ومن استعلت روحه على جسده لم تلتفت إلى هذه الشهوات، ولم تمل إليها، فهذا اعتبار حال القائل.
وأما اعتبار حال الفاعل: فمن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإن جميع الحوادث الأرضية، والعلوية، مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فمن فاته مطلوبُ لن يغضب، وإن حصل له محبوبُ لم يأنس، بل يأنس بربه ودينه والعمل بشرعه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
ومتى كان كذلك لم ينازع أحدًا في طلب شيء من لذات الدنيا وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها عليه، ومتى كان الإنسان كذلك، كان حسن الخُلق مع ربه، وحسن الخُلق مع خلقه.
فالدين ركنان:
الأول: عبادة الحق.
الثاني: الإحسان إلى الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].