للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم يبقى له وجود قلبي روحاني ملكي، فيبقى قلبه سابحًا في بحر من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين، ويجد قلبه عالياً صاعداً إلى من ليس فوقه شيء، الذي هو مراد المؤمن، وغاية مطلوبه كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)[النجم: ٤٢].

فهذا لُباب التعبد، وهو سفر الآخرة الذي يُقطع بالقلوب كما أن سفر الدنيا يُقطع بالأقدام.

ثم يرقيه الله سبحانه، فيشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال، وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للقلوب والأرواح، فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه ووليه المحسن إليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)[النحل: ٥٣].

فهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق، لعلو درجته، وقرب منزلته من ربه، فالمرء مع من أحب، ولكل عمل جزاء، وجزاء المحبة المحبة والقرب: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)[القمر: ٥٤ - ٥٥].

فيا سعادة صاحب هذا القلب، ويا له من قلب مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال، وعظمة الجلال والكبرياء للواحد الأحد، والناس مفتونون ممتحنون بما يزول ويفني من الأموال والصور والرياسة، معذبون بذلك قبل حصوله، وحال حصوله، وبعد حصوله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)[الشعراء: ٢١٣].

<<  <  ج: ص:  >  >>