للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الروح المدرك للعلومِ والآلام واللذات، وذلك لا يموت ولا ينعدم، ومعنى الموت انقطاع تصرفهِ عن البدن، وخروج البدن من أن يكون آلة له، فحقيقةُ الإنسان نفسهُ وروحهُ وهي باقية.

والموت أشد ما يحاول الإنسان أن يروغ منه أو يبعد، أو يبعد شبحه عن خاطره، ولكن أنى له ذلك، والموت طالبُ لا يمل الطلب، ولا ببطيء الخُطى، ولا يخلف الميعاد: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)[الجمعة: ٨].

والنفس البشرية ترى الحق كاملًا وهي في سكرات الموت، تراه بلا حجاب، وتدرك منه ما كانت تجهل، وما كانت تجحد، ولكن بعد فوات الأوان، حين لا تُقبل توبة، ولا ينفع إيمان: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)[ق: ١٩].

والمؤمن يُكشف له بعد الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كسجن ضيق، كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستانٍ عظيمٍ واسع الأكناف، لا يبلغ طرفهُ أقصاه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)[ق: ٢٢].

ونسبة سعة الآخرة إلى الدنيا، كنسبة سعة الدنيا إلى الرحم وأعظم: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)[العنكبوت: ٦٤].

<<  <  ج: ص:  >  >>