فبطن الأم مكان تكميل الأعضاء والجوارح، وبطن الدنيا مكان تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، فإذا كمُلت مدته، وبلغ عمره، جاءه أجله، وخرج من الدنيا إلى مكان الانتظار وهو القبر، وهو برزخٌ يعذب فيه الإنسان أو يُنعم حسب عمله.
فإذا اكتمل من قدر الله خلقه من أهل الجنة وأهل النار، قامت الساعة، وخرج الناس من قبورهم إلى دار القرار، حيث ينال المؤمنون كمال النعيم في الجنة، وينال أهل النار كمال العذاب في النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
والإنسان في هذه الدنيا عبد مربوبٌ كغيره، هيأ الله له كل ما يحتاجه من الطعام، و الشراب، والسكن، واللباس، والمركب، والمال.
فإذا جاء يوم القيامة هُدمت أبنية الدنيا، ودكت الأرض، وسُيرت الجبال، وشُقت السماء، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم، وخسف القمر، وعُطلت العِشار، وتم تخريب هذا العالم وهدمه بأجمعه؛ لأنها انتهت الغاية منه، فالله ﵎ عزيزٌ حكيم، لما بنى للناس دار الدنيا للسكن بها، والتمتع بخيراتها، وجعل ما فيها زينة للأبصار، وعظة للاعتبار، والاستدلال بها على وحدانية الله وجميل صنعه، مما يقتضي الإيمان به، وإخلاص العبادة له، والعمل بدينه وشرعه.
فلما انقضت مدة السكن بها، واستوفى كل إنسان رزقه وأجله وأثره وعمله، وحقت كلمة ربك علي فنائها، أجلاهم ربك منها، وهُدمت وخُربت لانتقال الخلق منها، وبُدلت بدار أخرى أبقى منها وأدوم، ثم نُقل الخلق إليها: