فالدنيا دار الفناء والزوال، والآخرة دار البقاء والخلود، والعبد المسلم في الدنيا كالأجير، والأجير حال اشتغاله بالعمل لا تُدفع له الأجرة كاملة؛ لأنه إذا أخذها كاملة لا يجتهد في العمل، فإذا أكمل عمله، كان له الحق في المطالبة بكامل أجرته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وهكذا الإنسان يعبد ربه، ويمتثل أوامر خالقه، في الدنيا، فيسعده الله في الدنيا، ثم يوفي كامل أجرته يوم القيامة بعد فراغه من جميع أعماله.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإذا كان محل أخذ الأجرة الكاملة هو الدار الآخرة، كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل.
والله ﷿ عزيزٌ حكيم منزه عن الظلم والعبث، وله عبيدٌ بعضهم أقوياء، وبعضهم ضعفاء، وهو رحيمٌ عدل فلابد أن يُنصف عباده المظلومين ممن ظلمهم، وإذا لم يحصل هذا في هذه الدار، فلابد من دارٍ أخرى يظهر فيها العدل والإنصاف وهي الدار الآخرة التي فيها الحُكم لله وحده: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].