رعاية الله يحفظهم ويرزقهم ويوفقهم ويهديهم، كما قال إبراهيم ﷺ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
فلمَّا لم يستجب له قومه، هاجر من العراق إلى الأرض المباركة في الشام: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩].
فهاجر ﷺ وترك كل شيءٍ وراءه، ترك أباه وقومه وأهل بيته و وطنه، وترك وراءه كل عائق، وكل شاغل، وهاجر إلى ربه متخففًا من كل شيء، طارحًا وراءه كل شيء، مسلمًا نفسه لربه، موقنًا أن ربه سيهديه، وسيرعى خطاه.
إنها الهجرة الكاملة من حالٍ إلى حال، ومن وضعٍ إلى وضع، ومن يقينٍ إلى يقين، إنها الهجرة الكبرى التي يختار الله لها الكُمَّل من الناس، فاتَّجَهَ إبراهيم ﷺ إلى ربه، الذي أعلن أنه ذاهبٌ إليه، اتَّجَهَ يسأله الذرية المؤمنة، والخلف الصالح: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠].
واستجاب الله دعاء عبده الصالح، الذي ترك كل شيءٍ وراءه، وجاء إلى ربه بقلبٍ سليم، فبماذا بشره ربه؟
قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١].
ولمَّا رزق الله إبراهيم ﷺ بالغلام الحليم، وهو إسماعيل ﷺ، ابتلاه الله به، ليتبين صفاء توحيد إبراهيم ﷺ، وكمال محبته لربه وخُلَّتَه.
فإن إسماعيل لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم أحَبَّهُ حُبًا شديدًا، وهو خليل الرحمن، والخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، فلما تعلقت شُعْبَةٌ من شُعَب قلب إبراهيم بابنه إسماعيل، أراد الله أن يُصَفِّي وُدَّهُ، ويختبر خُلَتَه، فأمره أن يذبح ويقطع بالسكين من زاحم حُبَّهُ حُبَّ ربه كما