والله ﵎ يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرةٌ على النفس، وأن ترك مألوف الحياة، ووسائل الرزق، واستقبال الحياة في أرضٍ جديدة، تكليفٌ صعبٌ على الناس، ومن ثَمَّ يفتح الله على الصابر على ذلك أبواب العِوَض عن الوطن، والأرض، والأهل، والإلف، عطاءً من عنده بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والإيمان ليس كلمةٌ تُقال باللسان فقط، وإنما هو نورٌ، وحركةٌ دافعةٌ في القلب، يتولد منها حُسْن العبادة، وأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وهذا الإيمان لا يأتي، ولا يتم، ولا يَقْوَىَ، إلا بالتضحية بكل شيء من أجله.
تركوها للكفار، وبذلوا الأنفس، والأموال، والأوقات، رغبةً في الله، ومحبةً لرسول الله، ونصرة لدين الله، وإعلاء لكلمة الله ﷿.
فهؤلاء هم الصادقون الذين صَدَّقُوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، والعبادات الشاقة، وهم أسبق الناس إلى الإيمان، وأحقهم بكل فضيلة، لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، والبذل والترك، كما قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].