الدِّيْنِ ابنُ القَيِّمِ، ذَكَرَهُ فِي وَفَيَاتِ هَذِهِ السَّنَةِ دُوْنَ سِوَاهُ مِنْ شُيُوْخِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الحَنَابِلَةِ مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيْهَا، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مَا يَزِيْدُ عَلَى (٤٥) خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَامًا وَلَمْ يُسَجِّلْ تَرَاجِمَهَا؟!. وَيُمْكِنُ الإِجَابَةُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ المُؤَلِّفَ - رَحِمَهُ الله - فَعَلَ ذلِكَ فِي أَوْرَاقٍ لَمْ يُبَيِّضْهَا ذَهَبَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ. هَذَا احْتِمَالٌ. وَالاحْتِمَالُ القَوِيُّ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ المُؤَلِّفِيْنَ فِي التَّرَاجِمِ يَتَحَاشَى الكِتَابَةَ عَنِ المُعَاصِرِيْنَ وَالأحْيَاءِ خَاصَّةً؛ لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ وُقُوعِ الحَرَجِ عِنْدَ وُقُوْفِ الرَّجُلِ عَلَى تَرْجَمَتِهِ، وَبَعْضُ العُلَمَاءِ مَهْمَا قِيْلَ فِي مَدْحِهِ فَإِنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ أَعْظَمَ مِنْ ذلِكَ وَأَجَلَّ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ المُؤَلِّفَ لَمْ يُنْصِفْهُ، وَرُبَّمَا قَارَنَ مَا كَتَبَهُ عَنْهُ بِمَا كَتَبَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ مُعَاصِرِيْهِ فَيَرَى أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ هَضَمَهُ حَقَّهُ … وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَجْدَرُ بِالثَّنَاءِ … فَتَقَعُ الفُرْقَةُ وَالنُّفْرَةُ، وَيَتَوَلَّدُ الحِقْدُ وَالضَّغِيْنَةُ، فَالمُؤَلِّفُ يَرْبأُ بِنَفْسِهِ عَنْ ذلِكَ، وَيُؤْثِرُ السَّلَامَةَ والعَافِيَةَ. وَمَعَ هَذَا فَابْنُ رَجَبٍ لَمْ يَسْلَمْ، فَقَدْ اتُّهِمَ بِأَنَّهُ أَغْفَلَ تَرْجَمَةَ شَمْسِ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ بنُ مُفْلِح (ت: ٧٦١ هـ) لِشَيْءِ كَانَ بَيْنَهُمَا؟! وَهَذَا غَيْرُ صَحِيْحُ؛ فَابْنُ مُفْلِحٍ المَذْكُوْرُ تُوُفِّيَ بَعْدَ فَتْرَةِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ.
وَأَمَّا كَيْفَ فَاتَ الحَافِظ ابنُ رَجَبٍ هَذَا العَدَدَ الكَبِيْرَ فَأَنَّنِي أَقُوْلُ إِنَّ الحَافِظَ بَذَلَ جُهْدًا، وَجَمَعَ تَرَاجِمَ وَأَخْبَارًا مِنْ مَصَادِرِ مُخْتَلِفَةٍ هِيَ مِنْ أَهَمِّ الأُصُوْلِ فِي بَابِهَا كَمَا سَيَأْتِي في "مَصَادِرِهِ" وَمِنَ المَعْلُوْمِ أَنَّ الحَافِظَ - رَحِمَهُ اللهُ - يُؤَرِّخُ لِفَتْرَةٍ وَصَلَ فِيْهَا المَذْهَبُ الحَنْبَلِيُّ أَوْجَ ازْدِهَارِهِ وَتَوَسُّعِهِ فِي "العِرَاقِ" وَ"الشَّامِ" وَ"مِصْرَ" - كَمَا قُلْنَا - وَكَثُرَ فِيْهَا العِلْمُ وَالعُلَمَاءُ، وفِيْهَا مِنَ الأُسَرِ العِلْمِيَّةِ الَّذِيْنَ تَوَارَثُوا العِلْمَ عَدَدٌ كبِيْرٌ كَـ "آلِ أَبِي يَعْلَى" و"آلِ عَبْدِ القَادِرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.