للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن خطرت يوما على خاطر امرئ … أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ (١)

ولو نظر الندمان ختم إنائها … لأسكرهم من دونها ذلك الختم (٢)

ولو طرحوا في فيء حائط كرمها … عليلا وقد أشفى، لفارقه السقم

ولو قرّبوا من حانها مقعدا مشى … وينطق من ذكرى مذاقتها البكم

ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها … وفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ

ولو خضبت من كأسها كف لامس … لما ضلّ في ليل وفي يده النجم

ولو جليت سرا على أكمه غدا … بصيرا ومن راووقها تسمع الصّمّ (٣)

ولو أن ركبا يمموا ترب أرضها … وفي الركب ملسوع لما ضرّه السمّ (٤)

ولو رسم الراقي حروف اسمها على … جبين مصاب جنّ، أبرأه الرسم

تهذب أخلاق الندامى فيهتدي … بها لطريق العزم من لا له عزم

ويكرم من لم يعرف الجود كفه … ويحلم عند الغيظ من لا له حلم

ولو نال فدم القوم لثم مدامها … لأكسبه معنى شمائلها اللثم

يقولون لي صفها فأنت بوصفها … خبير، أجل، عندي بأوصافها علم

صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوا … ونور ولا نار، وروح ولا جسم (٥)


(١) وإن خطرت هذه المدامة على خاطر سقيم، أذهبت سقامه وجلبت له الفرح إلى يوم القيامة.
(٢) كنى بالندمان عن السالكين في طريق الله تعالى، وختم إنائها عن أثر التجلي الرباني في قلب العبد والنظر إليه كناية عن التحقق به، وكنى بإنائها عن النفس الإنسانية.
(٣) الأكمه: الأعمى يولد أعمى "اللسان - مادة كمه". الراووق: المصفاء "اللسان - مادة روق"، يقول: لو جليت هذه المدامة في السر لا في الجهر على أعمى صار بصيرا، ولو أصغى الأصم الذي لا يسمع إلى صوتها وهي تسكب في الراووق لتصفى لعاد إليه سمعه.
(٤) الملسوع: من اللسع، واللسع لما ضرب بمؤخره، واللدغ: لما كان بالفم، "اللسان - مادة لسع".
(٥) هذا البيت صريح في أن المدامة التي يعنيها ابن الفارض ذات صفاء لكن ليس صفاء كصفاء الماء، بل هو صفاء معنوي ليس مما يؤخذ من الماء، وأنها ذات لطف ليس لطفا من الهواء مأخوذ كلطف المحسوسات، وأنها ذات نور لا يؤخذ من النار، وأنها روح لا جسم لها كبقية الأرواح، ومن هذا يتضح أنها خمر معنوية وأوصافها ربانية، أذاقنا الله قطرة من شربها بجاه مولانا رسول الله ، ومن أحبنا وأحببناه.

<<  <  ج: ص:  >  >>