تقدّم كل الكائنات وجودها … قديما ولا شكل هناك ولا رسم
وقامت بها الأشياء ثمّ لحكمة … بها احتجبت عن كل من لا له فهم (١)
وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتّ … حادا ولا جرم تخلله جرم (٢)
فخمر ولا كرم وآدم لي أب … وكرم ولا خمر ولي أمها أمّ (٣)
وقد وقع التفريق والكلّ واحد … فأرواحنا خمر وأشباحنا كرم (٤)
محاسن تهدي الواصفين لوصفها … فيحسن فيها منهم النثر والنظم
ويطرب من لم يدرها عند ذكرها … كمشتاق نعم كلما ذكرت نعم (٥)
وقالوا: شربت الإثم! كلاّ وإنما … شربت التي في تركها عندي الإثم
هنيئا لأهل الدير كم سكنوا بها … وما شربوا منها ولكنهم همّوا (٦)
فعندي منها نشوة قبل نشأتي … معي أبدا تبقى وإن بلي العظم (٧)
(١) قامت: ثبتت وتعينت من غير وجود لها في نفسها، وإنما ثبوتها وتعينها بالوجود العلمي الإلهي. وقوله: ثم: أي: هناك. إشارة إلى حضرة قيوميتها على الممكنات. (٢) الاتحاد: يقصد الناظم ﵁ بالاتحاد هنا: اتحاد العالم بالمعلوم من حيث هو معلوم لا من حيث ظهوره عنه في الخارج عن علمه، وليس الاتحاد بمعنى تخلل الجسم في الجسم، - كما شنع بذاك المحجوبون والمخذولون - على الصوفية - وهم بريئون من ذلك ﵃، وعنا بهم، ونفعنا ببركاتهم في الدارين. (٣) أي: فخمر موجودة وهي المدامة المذكورة، ولا كرم - أي العنب -، موجود. وكنى بالكرم عن المخلوقات وآدم أبو البشر أول مخلوق من هذا النوع الإنساني، والضمير في "أمها" للمدامة. أي: وكرم موجودة، ولا خمر موجودة في حال كون أم الخمر، بمعنى: المدامة المذكورة أما موصوفة بأنها كائنة لي. (٤) وأن التفريق بينهما واقع في حال نموها وزيادتها. وقوله: "والكل واحد" أي هو وجود واحد. وقوله: "كرم" أي: بمنزلة الكرم وهو العنب المتضمن للعصير الروحاني، الذي يكون خمرا فيسكر العقول بما يلقى إليها من العلوم والحقائق. (٥) قوله: لم يدرها: أي لم يعرفها بطريق الذوق، وإنما عرفها بطريق الشوق. (٦) أهل الدير: يعني بهم أرباب المعارف الإلهية، وأصحاب المحبة الربانية، والسكر بالمدامة عبارة عن وجدان المعرفة الحقيقية. (٧) يقول: إن نشوة هذه المدامة حصلت عنده من مبادئ عمره وهي لا تزال باقية في داخل سره، وأنه لو بلي ولم يبق له أثر فلا تزول هاتيك النشوة بل تدوم بعد الجسد المعدوم.