أئمّة خلقوا نورا فنورهم … من نور خالص نور الله لم يغل
والله لا زلت عن حبّي لهم أبدا … ما أخّر الله لي في مدّة الأجل
وذكر ابن الأثير أنه لما اشتد مرض العاضد، أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم عليه وعلى تخلفه عنه.
وحكى مؤلف الروضتين قال: اجتمع بي الأمير أبو الفتوح ابن العاضد وهو محبوس مقيّد سنة ثمان وعشرين وست مائة، فأخبرني أبو الفتوح قال: إن أبي لما مرض استدعى صلاح الدين فحضر، ثم جمعنا وأحضرنا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فأكرم إكرامنا واحترامنا، قال قاضي القضاة جمال الدين محمد بن واصل لما جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى، وقيل: وكل صلاح الدين بالقصر قراقوش الأسدي (١)، وجعله بزمام [ص ٧٤] القصر مقامه، فرتب في القصر، فما كان يدخل إلى القصر شئ ويخرج إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق أهل القصر بسببه، فلما مات العاضد، عرض صلاح الدين من بالقصر من الجواري والعبيد، والعدد والآلات، والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، ووهب الباقي، وأخلى الدور، وأغلق القصور، وأخذ ما صلح له
(١) قراقوش الأسدي: قراقوش بن عبد الله، أبو سعيد بهاء الدين، أمير نشأ في خدمة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وناب عنه في الديار المصرية، كان هماما مولعا بالعمران، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، ولما أخذ صلاح الدين مدينة (عكة) من الفرنج ولاه عليها، ثم لما عادوا واستولوا عليها أسروه، فافتكه السلطان صلاح الدين بعشرة آلاف دينار، وفرح به فرحا عظيما، وتنسب إليه أحكام عجيبة في ولايته، قال ابن خلكان: الظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه، و (قره قوش) كلمة تركية معناها (العقاب) الطائر المعروف، توفي قراقوش بالقاهرة سنة ٥٩٧ هـ. (ابن خلكان ١/ ٤٢٩، ذيل الروضتين ص ١٩، النجوم الزاهرة ٦/ ١٧٦)