وَمِنْ هُنَا كَانَتْ عِنَايَةُ العُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ بِمَبْحَثِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ، ذَبًّا عَنِ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَلُزُومًا لِلْمَنْهَجِ الأَمْثَلِ لِلاهْتِدَاءِ بِهَا.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي ذِكْرِهِ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الاخْتِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ: "السَّبَبُ الثَّامِنُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ قَدْ عَارَضَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرادَةً … وُهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ تَعَارُضَ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالَ، وَتَرْجِيحَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بَحْرٌ خِضَمٌّ" (١).
فَمِمَّا يُعِينُ الْمُسْتَدِلَّ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ أَنْ يَعْرِفَ مَرَاتِبَ هَذِهِ الأَدِلَّةِ، وَيُعْطِيَ كُلَّ دَلِيلٍ مَنْزِلَتَهُ، وَكُلَّ حُجَّةٍ مَكَانَتَهَا، وَيُقَدِّمَ قَوِيَّهَا عَلَى ضَعِيفِهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: تَسَنَّى لَهُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ الْحُكْمَ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَيَسِيرَ عَلَى هُدًى وَصَوَابٍ، فَلا تَزِلَّ قَدَمُهُ، وَيَقِلُّ عِنْدَهُ نِسْبَةُ الْخَطَأِ وَالْعِثَارِ (٢).
وَعُرِفَ إِمَامُنَا قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ بِالشُّفُوفِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ الدَّقِيقِ، وَأَبَانَ فِيهِ عَنْ قُوَّةِ عَارِضَتِهِ الأُصُولِيَّةِ، وَفِيمَا سَأَذْكُرُهُ مِنَ الأَمْثِلَةِ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى هَذَا، فَمِنْ ذَلِكَ:
أ - إِشَارَتُهُ إِلَى أَنَّ الجَمْعَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّرْجِيحِ:
أَوْمَأَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إِلَى أَنَّ الجَمْعَ يُقَدَّمُ عَلَى التَّرْجِيحِ، لِأَنَّ فِيهِ إِعْمَالًا لِلْأَدِلَّةِ كُلِّهَا دُونَ إهْمَالِ بَعْضِهَا، وَقَدْ تَطَرَّقَ إِلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ فِي مُنَاسَبَاتٍ، مِنْهَا:
(١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص: ٣٠).(٢) أدلة التشريع المتعارضة، بدران أبو العينين ص ١٧.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.