ذَلِكَ بَعْضُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يَقَعِ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنِ الِاسْتِهَانَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ إِنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْلِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ ﷺ بِمَا سَيَقَعُ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ.
٦٣ - بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٧ - ١٨]
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى على ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ.
[الحديث ٤٤٧ - طرفه في: ٢٨١٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ﴾ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَفِي آخِرِهِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾، وَذِكْرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَوَاضِعُ السُّجُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَمَاكِنُ الْمُتَّخَذَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعِمَارَتِهَا بُنْيَانُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا مُدَّةً وَمَعَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا هُوَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ: فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا.
قَوْلُهُ: (يُصْلِحُهُ) قَالَ فِي الْجِهَادِ: يَسْقِيَانِهِ، وَالْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ، وَهَذَا الْأَخُ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ أَخٌ شَقِيقٌ وَلَا أَخٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا مِنْ أُمِّهِ إِلَّا قَتَادَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى اسْمِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْوِي جَمِيعَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.