قَوْلُهُ (بَابُ السِّلْقِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ نَوْعٌ مِنَ الْبَقْلِ مَعْرُوفٌ، فِيهِ تَحْلِيلٌ لِسَدَدِ الْكَبِدِ، وَمِنْهُ صِنْفٌ أَسْوَدُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْعَجُوزِ الَّتِي كَانَتْ تَصْنَعُ لَهُمْ أُصُولَ السِّلْقِ فِي قَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَأُحِيلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَقَدْ فَرَّقَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ. وَوَقَعَ هُنَا مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ وَتَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ السِّلْقَ يَكُونُ عَرْقَهُ أَيْ عِوَضًا عَنْ عِرْقِهِ، فَإِنَّ الْعَرْقَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ الْعَظْمُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ اللَّحْمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لَحْمٌ فَهُوَ عِرَاقٌ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا كَافٌ وَهُوَ الدَّسَمُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَعَطْفُهُ عَلَى الشَّحْمِ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ الِاقْتِصَادِ وَالصَّبْرِ عَلَى قِلَّةِ الشَّيْءِ إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْفُتُوحَ الْعَظِيمَةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الدُّونِ مَعَ الْقُدْرَةِ زُهْدًا وَوَرَعًا.
١٨ - بَاب النَّهْش وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ
٥٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَعَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتِفًا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
٥٤٠٥ - وَعَنْ أَيُّوبَ، وَعَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْتَشَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَوْلُهُ (بَابُ النَّهْشِ وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ) النَّهْشُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ أَوْ مُهْمَلَةٌ، وَهُمَا بِمَعْنًى عِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ، وَهُوَ الْقَبْضُ عَلَى اللَّحْمِ بِالْفَمِ وَإِزَالَتُهُ عَنِ الْعَظْمِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ هَذَا وَبِالْمُهْمَلَةِ تَنَاوُلُهُ بِمُقَدَّمِ الْفَمِ، وَقِيلَ النَّهْسُ بِالْمُهْمَلَةِ لِلْقَبْضِ عَلَى اللَّحْمِ وَنَتْرِهِ عِنْدَ الْأَكْلِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْأَمْرُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِرْشَادِ، فَإِنَّهُ عَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ أَيْ أَشَدَّ هَنَاءً وَمَرَاءَةً، وَيُقَالُ هَنِئَ صَارَ هَنِيئًا وَمَرِئَ صَارَ مَرِيئًا وَهُوَ أَنْ لَا يَثْقُلَ عَلَى الْمَعِدَةِ وَيَنْهَضِمَ عَنْهَا، قَالَ: وَلَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ بَلْ ثَبَتَ الْحَزُّ مِنَ الْكَتِفِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّحْمِ كَمَا إِذَا عَسُرَ نَهْشُهُ بِالسِّنِّ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ تَحْضُرِ السِّكِّينُ، وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعَجَلَةِ وَالتَّأَنِّي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالِانْتِشَالُ بِالْمُعْجَمَةِ التَّنَاوُلُ وَالْقَطْعُ وَالِاقْتِلَاعُ، يُقَالُ نَشَلْتُ اللَّحْمَ مِنَ الْمَرَقِ أَخْرَجْتُهُ مِنْهُ، وَنَشَلْتَ اللَّحْمَ إِذَا أَخَذْتَ بِيَدِكَ عُضْوًا فَتَرَكْتَ مَا عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَخْذِ اللَّحْمِ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجَ، وَيُسَمَّى اللَّحْمُ نَشِيلًا، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذَكَرَ الِانْتِشَالَ مَعَ النَّهْشِ، وَالِانْتِشَالُ التَّنَاوُلُ وَالِاسْتِخْرَاجُ، وَلَا يُسَمَّى نَهْشًا حَتَّى يَتَنَاوَلَ مِنَ اللَّحْمِ.
قُلْتُ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّهْشَ بَعْدَ الِانْتِشَالِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ سَاقَهُمَا الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ النَّهْشِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ تَعَرَّقَ كَتِفًا أَيْ تَنَاوَلَ اللَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِ بِفَمِهِ، وَهَذَا هُوَ النَّهْشُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي الْبَابَ الَّذِي بَعْدَ هَذَا فِي النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ.
قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا يَصِحُّ لِابْنِ سِيرِينَ سَمَاعٌ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا مِنِ ابْنِ عُمَرَ. قُلْتُ: سَبَقَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.