عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ. ارْمِ وَلَا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ) مُرَادُهُ: أَنَّ اشْتِغَالَ الْعَالِمِ بِالطَّاعَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ سُؤَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فِيهَا، إِنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَأُخِّرَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ إِلَى الْحَجِّ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ الرَّمْيِ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا عِنْدَهَا فَقَطْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَثِيرًا مَا يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ، فَوُقُوعُ السُّؤَالِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ اشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. وَاسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِالْخَبَرِ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّفْظِ، أَيْ: بِأَيِّ صِيغَةٍ وَرَدَ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ لِشَيْئَيْنِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ، فَيُقَالُ: الْأَصْلُ الْعَمَلُ بِتَقْدِيمِ مَا قُدِّمَ وَتَأْخِيرُ مَا أُخِّرَ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ أَصْلًا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْخَبَرِ يَقُولُ (١) حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ فِيهِ حَتَّى يُفْرَدَ بِبَابٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مِثْلِ ذَلِكَ فَلْيُتَرْجَمْ بِبَابِ السُّؤَالِ وَالْمَسْئُولِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَبِبَابِ السُّؤَالِ يَوْمَ النَّحْرِ. قُلْتُ: أَمَّا نَفْيُ الْفَائِدَةِ فَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَيُرَادُ أَنَّ سُؤَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُكْمَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِ فِعْلِهِ حَسَنٌ بَلْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَأَنَّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا أَجَابَ وَلَا لَوْمَ عَلَى السَّائِلِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ تَضْيِيقًا عَلَى الرَّامِينَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ مَا إِذَا كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ. وَأَمَّا إِلْزَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ فِيمَا مَضَى بَابَ الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَابِلَ الْمَكَانَ بِالزَّمَانِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْعِلْمِ لَا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، لَكِنْ قَدْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ مِنْ كَوْنِ يَوْمِ الْعِيدِ يَوْمَ لَهْوٍ امْتِنَاعَ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلْمِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ،
(١) في طبعة بولاق: كذا بالنسخ التي بأيدينا، ولعل لفظة"يقول"زائدة من قلم الناسخ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.