إليه فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم صلى الله عليه، فرحَّب ودعا لي بخير، ثم قال: يا محمد! هذه منزلتك ومنزلة أمتك، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨].
ثم دخلتُ إلى البيت المعمور، فصلَّيتُ فيه، ثم نظرتُ، فإذا أمتي شطران، شطر عليهم ثياب دنِسةٌ (١) رُمُد (٢)، وشطر عليهم الثياب البيض، فدخل الذين عليهم الثياب البيض، واحتبس الآخرون وكل على خير.
قال: ثم ذهب بي جبرئيل إلى السدرة المنتهى، فإذا الورَقَةُ من وَرَقِها لو غُطِّيَ بها هذه الأمةُ لغَطَّتْهم، وإذا السلسبيلُ قد انفَجَرَ من أسفَلِها (٣) نهران: نهر الرحمة، ونهر الكوثر، فاغتَسَلْتُ في الرحمة، فغفر لي ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّرَ، وأعطِيتُ الكوثرَ، فسلكت حتى انفجَرَ في الجنَّةِ، ونظرتُ إلى الجنة، فإذا طيرُها كالبُخت، وإذا الرُّمَّانةُ من رُمَّانها كجلد البعير المُقْوَرِّ (٤)، وإذا أنا بجاريةٍ، قلتُ: يا جاريةُ لمَنْ أنتِ؟ فقالتْ: لزيد بن حارثة، فبشَّرتُ بها زيدًا، وإذا في الجنة ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذُنٌ سمِعتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر، ونظَرتُ فإذا عذابُ الله شديد، لا تقومُ له الحجارةُ ولا الحديد. قال: فرجعتُ في الكوثر، حتى انتهيتُ إلى السِّدرةِ المنتهى، فغَشِيَها من أمر الله ما غَشِيَ، ووقع على كلِّ
(١) كلمة "دنسة" ساقطة من البغية. (٢) رُمْد، أي: غُبْر فيها كدورة كلون الرماد، واحدها أرمد (نهاية، مادة: رمد). (٣) كذا في الأصل، وفي البغية: "قد انفجر من أصلها أو من أسفلِها". (٤) الاقورار: الاسترخاء في الجلود (نهاية، مادة: قور).