وقالت عبدة بنت أبي شوّال - وكانت تخدم رابعة -: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة:«يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور». وكان هذا دأبها حتى ماتت.
ولما حضرتها الوفاة، دعتني وقالت: يا عبدة لا تُؤْذِني بموتي أحدًا، وكفنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شَعَر، كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت: فكفناها [في تلك الجبة]. وفي خمار صوف كانت تلبسه ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلقة إستبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر، لم أر شيئًا قط أحسن منه، فقلت: يا رابعة! ما فعلت بالجبة التي كفَّنَّاكِ فيها والخمار الصوف؟. قالت: إنه والله! نزع عني وأبدلت به ما ترينه عليَّ، وطويت أكفاني، وختم عليها، ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: وما هذا عند ما رأيتُ من كرامة الله ﷿ لأوليائه؟. فقلت لها: فما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت هيهات هيهات! سبقتنا والله إلى الدرجات العلى فقلت: وبم؟ وقد كنت عند الناس، - أي أكبر منها؟. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست فقلت لها: فما فعل أبو مالك، أعني ضيغمًا؟ قالت: يزور الله ﷿ متى شاء. قلت: فما فعل بشر بن منصور؟. قالت: بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمل. قلت: فمريني بأمر أتقرب به إلى الله ﷿، قالت:
«عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك». رحمها الله تعالى.
وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمرة بمناديل من نور.
قال ابن الجوزي في شذور العقود: توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة.
وقال غيره: سنة خمس وثمانين [ومائة]. وقبرها على رأس جبل يسمى «الطور» يطل على القدس من شرقيه. وأغرب ما في هذا الجبل ما سمعناه بالقدس الشريف في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، أن الناس احتاجوا إلى استسقاء الغيث من الله ﷿ قال: فصعد المسلمون واليهود والنصارى، والسامرة هذا الجبل، فاستقبل المسلمون الكعبة الحرام، واستقبل اليهود الصخرة المعظمة، واستقبل النصارى الشرق، واستقبل السامرة جهة نابلس، فصارت كل طائفة إلى ظهور سائر الطوائف، وهذا لا يتفق في مكان آخر. حكى ذلك الحافظ العلامة أبو سعيد العلائي.