رجل كان ملاذًا، وملجًا في النوائب ومعاذا، يصرخ صراخ السيوف، ويطل إطلال الضراغم تحت السجوف، بسهام لا تُرَدّ، وسمام كأنه من أنياب الأساود يستمد، إذا رمى رمية أنفذها، وإذا أرشف بريقه عضة أكيلة وقذها، فكان في انطلاقه لا يفادى، وفي أهل صداقته لا يعادى، يمد يدًا له ما رُدَّتْ خائبة، ولا مدَّت إلا إلى إجابة غير غائبة. كان مقيمًا بكلاسة دمشق.
وحكى عنه العلامة أبو الحسن السخاوي قال: سمعت ابن غليس يقول: كنت مسافرًا مع قافلة، فرأيت في المنام كأنَّ سَبْعًا اعترضهم، فقطع الطريق عليهم، فوقفوا حائرين، فتقدمت إليه وقلت: يا كلب الله!، أنت كلب الله، وأنا عبد الله، فاخضع، واخنع لمن سكن له ما في السماوات والأرض، وهو السميع العليم. فذهب، وانفتحت الطريق، ثم انتبهتُ، فسرنا قليلًا، وإذا بالقافلة قد وقفت، فسألت: ما الخبر؟ فقيل: السَّبع على الطريق. فتقدمت إليه، وهو مُقع على ذنبه، فقلت ذلك الكلام، وتقدمت إليه، فأدخلت يدي في فمه، وقلبت أسنانه، وشممتُ منه رائحة كريهة.
قال السخاوي: فقلت له: إنه يأكل اللحم ولا يتخلل!. قال: وأدخلت يدي بين أفخاذه، فقلبت خصيتيه وإذا هي مثل خصي القط.
وقال الشيخ ميمون الضرير: أخبرني صاحب لابن غُلَيس قال: أمرني ابن غُليس بإيقاد السراج، ولم يكن به زيت، فأوقدت الفتيلة، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثانية، فأوقدتها، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثالثة بإيقادها، فقلت له: لا زيت في السراج!. قال: وأيش فضولك في هذا؟، لو سكت لكان يقدها أبدا!.
وقال أبو القاسم الفضل: مات فرس لابن غُلَيس، فحزن عليه كثيرًا، فقيل له: كم تحزن عليه؟، غيره يقوم مقامه!. فقال: إنه فرس صالح، كان معي في سفري بالعراق، فأواني الليل مع جماعة إلى قرية، وكانت ليلة باردة، ذات ريح، ومطر، فلم
(١) ترجمته في: الوافي بالوفيات ٢٢/ ١١١ - ١١٢ رقم ٦٤، التكملة لوفيات النقلة ١/ ٤٣٣ رقم ٦٧٨، عقد الجمان/ ورقة، ١٧، تاريخ الإسلام (السنوات ٥٩١ - ٦٠٠ هـ) ص ٣٦١ رقم ٤٦١.