جلا الرتب ومزقها، ومحا بصباح جبينه الأهلة ومحقها، صام الهواجر، وقام الليالي الطوال مُغْرَوْرِقَ المحاجر، وأَنِينُهُ أَنِيسُه، وجلوسه منفردًا جليسه، فأنس بالله دون خلقه، وجلس في كِسْرِ بيته لأداء حقه، وعمل لجنَّة يدوم نعيمها، ويهب بحياة النفوس نسيمها، وفرّ من النار فرار الآبق، وقرَّ به القرار ودمعه السابق.
قال أبو محمد عبد الله بن عمر المقدسي - فيما جمعه من أخبار الشيخ عبد الله اليونيني وأصحابه -: ومنهم ذو المنظر المهول، والسيف المسلول، لم يكن بالكلام قَوول، ولا في العمل ملول. رئيس القوم، ومحيي الليل بالتهجد والنهار بالصوم. سلاب الأحوال الشيخ عيسى. فروى بسنده عن إبراهيم بن مسمار قال: صحبت الشيخ عيسى أربعين سنة، ما رأيته أكل فيها بالنهار.
وقال محمد بن عبد القادر اليونيني: جاء الملك الصالح إسماعيل إلى عند الشيخ، واستأذن عليه ثلاث مرار، فلما اجتمع به قال له: يا سيدي! أشتهي أن أوقف عليك يومين، فامتنع من ذلك، فقال: أبني هاهنا رواقًا، فقال له: ما أشتهي يكون عندي من يصد عني.
وقال أحمد بن عثمان بن إلياس: صحبت الشيخ عيسى خمسين سنة، فحدثنا يومًا قال: ورد إليَّ جماعة وتحدثوا في كرامات الأولياء، فقلت: أعرف رجلًا لو قال لهذه الحجارة: صيري ذهبًا وفضةً، صارت فقلت: يا سيدي، ذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه ورد إلى عنده جماعة، وتحدثوا بمثل هذا، فقال إبراهيم: أعرف رجلًا لو قال لهذا الجبل: زُلْ، لزال!. فاهتز الجبل، فقال له إبراهيم: اسكن!، فسكن. فأنت لما قلت هذه المقالة صارت الحجارة ذهبًا؟! قال: فاحمر وجهه، ودخل فحصل عندي مثل أني أسأت الأدب قُدَّامه، فلما كان بعض الليالي، توضأ، ووقف على حجر ينشف وجهه، ويحرك الحجر برجليه، فالتفت إليَّ وقال: يا أحمد أيش كنت تقول؟.