المسجد وصلينا جميعًا، وخرجنا من المسجد. وإذا السمكة موضوعة على حالها، فحملها، ومضى معنا إلى دارنا. فذكر والدي ذاك لوالدتي، فقالت: يقيم عندنا حتى يأكل معنا. فقلنا له. فقال: إني صائم. قلنا: فتعود إلينا بالعشي؟ فقال: إذا حملت في اليوم مرة، فلا أحمل ثانيًا. فأدخل المسجد إلى المساء، ثم أدخل عليكم بالعشي. فلما أمسينا دخل الصبي علينا فأكلنا، فلما فرغنا، دللناه على موضع الطهارة، ورأيناه يؤثر الخلوة، فتركناه في بيت.
وكان لقريب لنا ابنة زمنة، فلما كان في بعض الليل، وإذا بها قد جاءت تمشي!. فسألناها عن حالها؟ فقالت: قلت: «يا رب! بحرمة ضيفنا إلا ما عافيتني … فقمت!». قال: فمضينا نطلب الصبي؛ فإذا الأبواب مغلقة كما كانت، ولم نجده. فقال أبي: منهم كبير وصغير.
وقال: دخلت المدينة، وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر، وقلت:«ضيفك يا رسول الله!، ثم غفوت، فرأيت النبي ﷺ وقد أعطاني رغيفًا، فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر».
وقال: كنت واقفًا أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: أيش وقوفك؟. فقلت: ياعم ما ترى؟ هذه الصورة الحسنة تعذب بالنار؟. فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنَّ غِب هذا ولو بعد حين. قال ابن الجلاء: فوجدت غبها، وذلك أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة!
وقيل: لما مات أبو عبد الله بن الجلاء، نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حي!. ثم نظر إلى مجسته، فقال: إنه ميت. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري أهو ميت أم حي؟!! حتى دخل عليه بعض اخوانه فغسله، وكان في داخل جلده عرق على شكل كتابة ﴿الله﴾.
ومنهم:
[٣٢] أَبُو عَبْدِ الله، مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ (١)
أعلقته مصايد الأيام فأفلت أشراكها، ورأى الراحة في تجنب الأيام فطلب
(١) ترجمته في: طبقات الصوفية للسلمي ٢١٢ - ٢١٦ رقم ١١، وحلية الأولياء ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣ رقم ٥٦٣، والرسالة القشيرية، ٢١، والمنتظم ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠ رقم ٣٨٧، في وفيات سنة ٣١٩ هـ، =