من الدنيا، وحكم بدنو الأجل على نفسه، وانطلق ولم يمتد شوط المهل حتى وسد في رمسه. قرأ القرآن الكريم، وأتقن حفظه، وتفقه بشيخ الإسلام شيخنا برهان الدين ابن الفركاح، وأخذ النحو عن شخنا كمال الدين بن قاضي شهبة، وكان كثيرًا ما تجمعنا أوقات الاشتغال عنده، ثم لم ألقه إلا بعد أن قدمت دمشق من مصر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فرأيت منه أنموذج السلف، وطريقة الألى، ورجل دنيا وأخرى.
كان عقله عقل الوزراء، وزيه زي الفقراء، ويتيه على الدنيا تيه الأمراء.
وكان في زاوية أبيه، غربي الصالحية في جبل قاسيون، لا يخلو من زائر، ولا يأتيه أحد إلا ويضيفه، ويطعمه مما حضر واتفق على قدر حسب الميسور. هذا مع ضرورة ماسة، وفقر.
وكان ميالًا إلى الفقهاء وأهل العلم، منحازًا إلى شعوبهم، لا يزال ينظر في كتاب فقه أو حديث، أو في نسخ شيء من ذلك؛ إما بيده، وإما بيد غيره، أو في مقابلة على شيء كتب.
وكان لا يهاب الأمراء، وأرباب الدول؛ بل إذا جاءه أحد منهم أمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، وأوصاه من مصالح الرعية ما تقتضيه مصلحة الوقت الحاضر، رضي من رضي، وسخط من سخط.
وتمرض مدة بعلة الاستسقاء، ولم يزل مستسلمًا للموت، مسرورًا بلقاء ربه، إلى أن لقي الله تعالى في أوائل شهر رجب الفرد، سنة ست وأربعين وسبعمائة. ودفن إلى جانب والده بالزاوية المعروفة بهم، وحضره خلق، وتأسفت الدنيا لفقده.
وهذا آخر ما ذكرت من هذه الطائفة بالمشرق، فأما من هو منهم بالجانب الغربي بما فيه الديار المصرية الواقعة معه، على قلة المشهورين من أهل المغرب، خلا مصر، فإنَّ المذكورين فيها أمم، إلا أن أكثرهم لم يعد ذكره دار أهله، وليس هذا من شرطنا، فإنا لا نذكر إلا المشهورين في الآفاق المذكورين على كل الألسنة.