بنا منك فوق الرمل ما بك في الرّمل … وهذا الذي يُضني كذاك الذي يُبلي
كأنك أبصرت الذي بي وخفته … إذا عشت فاخترت الحِمامَ على الشكل
فإن تك في قبر فإنك في الحَشَا … وإن تك طفلًا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يُبكى على قدرِ سنّه … ولكن على قَدْرِ المَخيلة والأصل
ألست من القوم الذي مِنْ رماحهم … نداهم ومن قتلاهم مهجة البُخْلِ
تسليهم علياؤهم عن مُصَابِهم … ويشغَلُهم كسب الثناء عن الشُّغْلِ
وما الموت إلا سارق دق شخصه … يصولُ بلا كف ويسعى بلا رجل
يردّ أبو الشِّبْلِ الخميس عن ابنه … ويُسلمه عند الولادة للنمل
بنفسي وليد عاد من بعد حمله … إلى بطن أم لا تُطَرَّقُ بالحَمْلِ
منها:
إذا ما تأملت الزمان وصرفه … تيقنت أنَّ الموتَ ضرب من القتل
هل الولد المحبوب إلا تعلّةٌ … وهل خَلوةُ الحسناء إلا لذي البعل
وما الدهر أهل أن يُؤمِّل عنده … حياة وأن يُشتاق فيه إلى النَّسْلِ
وما تسع الأيام علمي بأمرها … ولا تُحْسِنُ الأيام تكتب ما أُملي
وقوله يرثي مملوك سيف الدولة (١): [من الطويل]
ومَنْ سرّ أهل الأرض ثم بكى أسى … بكى بعيون سَرَّها وقلوب
وقد فارق الناس الأحبّة قبلنا … وأعيا دواء الموت كل طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلُها … مُنعنا بها مِنْ جيئة وذهوب
ولا فَضْلَ فيها للشجاعة والندى … وصَبْرِ الفتى لولا لقاء شعوب
وكنتُ إذا أبصرته لك قائمًا … نظرتُ إلى ذي لبدتين أديب
وما كل وجه أبيض بمبارك … ولا كلُّ جَفْنِ ضيّق بنجيب
لئن ظهرت فينا عليه كآبةٌ … لقد ظهرت في حَدِّ كلّ قضيب
وفي كلَّ قَوْس كُلَّ يوم تناضل … وفي كل طرف كُل يوم ركوب
كأن الردي عَادٍ على كلّ ماجدٍ … إذا لم يُعَوِّذ مجده بعيوب
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا … غفلنا فلم نشعر له بذنوب
وقوله يرثي أخت سيف الدولة (٢): [من البسيط]
فإن تكن خُلِقَتْ أنثى فقد خُلقتْ … كريمةً غير أنثى العقل والحَسَبِ
(١) من قصيدة قوامها ٣١ بيتًا في ديوانه ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٢) من قصيدة قوامها ٤٤ بيتًا في ديوانه ٤٣٣ - ٤٣٦.