وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فإذا حصلت الرحمة من غير الله فهي من الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم؛ لأن في إنعام الخلق على الخلق منة، فإنعام الخلق على الخلق يوجب علو حال المنعم على المنعم عليه، والتواضع لله أكمل، وعبودية الله أولى من عبودية غير الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وإذا أنعم الله على الإنسان بنعمة في الدنيا طلب منه عملاً صالحاً يوصله إلى نعيم الآخرة، ليسعد في الدنيا والآخرة، وغير الله إذا أنعم على الإنسان بنعمة أمره بالاشتغال بخدمته، والإنعام يوجب المنة، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ورحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه:
ذلك أن نعيم الدنيا إنما يحصل بالمال، وحصول المال لابد له من تعب وجُهد، وإذا حصل من دون تعب، فلعله يموت العبد قبل الغد، وهب أنه بقي الإنسان إلى الغد فلعل المال لا يبقى إلى الغد، وهب أن المال بقي إلى الغد، والإنسان بقي إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنع من الانتفاع بالمال من مرضٍ أو ألمٍ أو ابتلاء أو غيرها.
وهب أنه لم يحصل له حادث ولا ابتلاء، فإن لذات الدنيا مشوبة بالآلام والأحزان والأكدار، وهب أن تلك المنافع حصلت خالصة عن الشوائب فإنها لا تدوم، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوي وأكمل كان