وقد جمع الله سبحانه لرسوله بين المقامين الصبر والشكر على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، وحصل له من الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه ﷿ كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى مراتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين.
فصلوات الله وسلامه عليه عدد المخلوقات والذرات والأنفاس وقد جعل الله نبيه غنيًا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١].
الشكر مبني على ثلاثة أركان:
الأول: معرفة النعمة وقدرها.
الثاني: الثناء على الله المنعم بها.
الثالث: استعمالها فيما يحبه موليها ومعطيها وهو الله سبحانه.
فمن كملت له هذه الثلاثة فقد استكمل الشكر، وبمشاهدة النعمة يتولد في القلب الحب والتعظيم للمنعم ويُخبت العبد بطاعة من أنعم بها عليه، وكلما ازداد العبد علمًا ومعرفة بحقيقة النعمة ومقدارها ازداد طاعةً ومحبةً وإنابةً واخباتًا وشكرًا وتوكلًا على ربه.