للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد وصف الله ﷿ الأنصار بالإيثار، وأخبرهم أنهم سيلقون بعده أثرة فليصبروا، كما قال للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، وَمَوْعِدُكُمُ الْحَوْضُ». متفق عليه (١).

وقد وقع ما قال من استئثار الناس على الأنصار في الدنيا، وهم أهل الإيثار؛ ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس.

فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم، ودرجته، ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة، فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار، فاعلم أنه لخير يراد بك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)[البقرة: ٢١٦].

• درجات الإيثار:

الإيثار على ثلاث درجات:

الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك، فيما لا يخرم عليك ديناً، ولا يقطع عليك طريقاً، ولا يفسد عليك وقتاً، كأن تطعمهم وتجوع، وتسقيهم وتظمأ، وتريحهم وتتعب، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب ما لا يجوز في الدين، ولا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تَعَالَى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك لربك، ومثل أن يؤثر بوقته غير ربه، فهذا منهي عنه.

فكل سبب يعود على الإنسان بصلاح قلبه، ووقته، وحاله مع الله، فلا يؤثر به أحداً من الناس، فإن آثر به فإنما يؤثر الشيطان على الله، وهو لا يعلم:


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٣٧٩٣) واللفظ له، ومسلم برقم: (٤٨/ ١٨٤٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>