والفقه أن يمقت المسلم الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا، فإن من شهد حقيقة الخلق، وعجزهم، وضعفهم، وتفريطهم، وإضاعتهم لحق الله، وإقبالهم على غيره، وبيعهم حظهم من الله بالعاجل الفاني، لم يجد بدًا من مقتهم على إعراضهم عن ربهم ﷿.
ولكن إذا لجأ العبد إلى نفسه وحاله وتقصيره كان لنفسه أشد مقتًا، فكم في النفوس من علل وأمراض، وأغراض وحظوظ، تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه، فقد يعمل العبد العمل حيث لا يراه بشر البتة، وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه وهو خالص لوجه الله، ولا يعرف هذا إلا أولوا البصائر.
فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب، وفرق شيطانية مستعدة لإزهاق روح العمل قبل أن يصل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل، وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوفًا ولا رجاءً ولا زهدًا في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نورًا يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، وبين الحق وبين الباطل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ثم بين الرب وبين القلب مسافة، وعليها قطاعًا تمنع وصول العمل إليه من كِبر وإعجاب وإذلال وفخر، ورؤية العمل، ونسيان منة الله فيه، وعلل خفية لو استقصى العبد في طلبها لرأى العجب، ومن رحمة الله أن سترها الرب على أكثر العمال، إذ لو رأوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوت، وترك العمل، وفتور الهمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].