وكذلك الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده هي غير الروح التي في البدن كما قال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥].
فالوحي للقلوب بمنزلة الروح للجسد فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش فكذلك القلب بدون روحٍ ولا وحي لا يصلح ولا يفلح.
والقوى التي في البدن تسمى أرواحًا فيقال: الروح الباصر، الروح السامع، الروح الشامّ، فهذه الأرواح قوى مودعة في الأبدان تموت بموت الأبدان وهي غير الروح التي لا تموت بموت الأبدان، ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فإذا فقدت الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
وهذه الروح التي يؤيد الله بها أهل طاعته وأهل ولايته، ولهذا يقال فلانٌ فيه روح وفلانٌ ليس فيه روح، فللعلم روح وللإحسان روح وللإخلاص روح وهكذا، والناس متفاوتون في هذه الأرواح، فمنهم من تغلب عليه فيصير روحانيًا ومنهم من يفقدها أو يفقد أكثرها فيصير أرضيًا بهيميًا أو إبليسيًا، فهذه هي الروح وهذه هي أنواع الأرواح وهذا ثوابها أو عقابها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].