للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنهم من يشغله عن الواجبات التي تجب عليه لله، ولخلقه، فلا يقوم بها ظاهرًا، ولا باطنًا.

ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات، والسنن.

وأقل درجات حب الدنيا، أنه يُشغل عن سعادة العبد، وهو تفريغ القلب لحب الله، ولسانه لذكره، وجوارحه لعبادته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)[الزمر: ٩].

ومحبة الدنيا تُضر بالآخرة ولا بد، كما أن محبة الآخرة تُضر بالدنيا، ومحبتها تجعلها أكبر هَمٍّ للعبد.

ومُحب الدنيا أشد الناس عذابًا بها، وهو معذب في دوره الثلاث:

يُعذب في الدنيا بتحصيلها، والسعي فيها، ومنازعة أهلها.

ويُعذب في البرزخ بفواتها والحسرة عليها، وكونه قد حيل بينه، وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبدًا، فيعمل فيه الهم، والغم، والحزن، والحسرة في روحه ما تعمل الديدان، وهوام الأرض في جسمه.

ومعذبٌ في الآخرة بنار جهنم كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)[الرعد: ٣٤].

ومن أحب الدنيا، وآثرها على الآخرة، فهو من أسفه خلق الله، وأقلهم عقلًا، إذ آثر الظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش، بحياة إنما هي أحلام، ونوم، فالدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وهي دار ظعن ليست بدار إقامة: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)[العنكبوت: ٦٤].

<<  <  ج: ص:  >  >>