للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهو تارة يشم الأزهار، وتارة يأكل من الثمر، وتارة يعجب من تغريد الطيور، وجريان الأنهار، وهو مع ذلك خائف من سبع يخرج، أو شوكة تدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو يخرق ثيابه.

فمن هؤلاء من لحق السفينة، ولم يلق فيها موضعاً، فمات على الساحل، ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع وهو غافل.

ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك.

فهذا مثال أهل الدنيا، واشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم موردهم، وعاقبة أمرهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)[فاطر: ٥ - ٦].

والعبد في هذه الدنيا مهاجر بعمله إلى ربه، والدنيا فانية زائلة، وهي كظل شجرة، والعبد فيها مسافر، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف استراح تحتها، ثم راح وتركها، فلا يحسن به أن يبني تحتها دارًا، ولا يتخذها قرارًا، بل يستظل بقدر الحاجة، ثم يواصل السير إلى ما يريد كما قال النبي : «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح (١).

والدنيا وما فيها من النعيم بالنسبة إلى الآخرة ونعيمها كالقطرة بالنسبة إلى البحر، وما في الدنيا من الأموال، والأشياء لا يساوي شيئًا بالنسبة لما في الآخرة من النعيم.


(١) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم: (٢٣٧٧)، وأخرجه ابن ماجة برقم: (٤١٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>