للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدنيا قبل الآخرة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)[النساء: ١٢٣].

فأعمال العبد تسوقه قسرًا إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى.

ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه، إنما هو بجند من عمله، بعثه له الشيطان، واستزله به كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)[آل عمران: ١٥٥].

والله سبحانه سنته جارية بنصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، لكن الله أحيانًا يبتلي المؤمنين بغلبة عدوهم عليهم، وقهره لهم، وفي ذلك منافع ومصالح، وحكم وأسرار منها:

استخراج عبوديتهم لله، وذلهم له، وانكسارهم له، واستغاثتهم به وسؤالهم له النصر على عدوهم، وعدم الالتفات إلى ما سواه.

ولو كان المسلمون منصورين دائمًا، قاهرين غالبين، لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين، لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)[آل عمران: ١٤٠].

فاقتضت حكمة العزيز الحكيم الرحيم أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غلبوا عدوهم أقاموا دين ربهم وشعائره، وإذا غلبهم عدوهم تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، واستغفروه، وتابوا إليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>