من أجل هذا كله، ومن أجل غيره، مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين أمنوا، وتحقيق النصر لهم في النهاية، فهم أهل دينه، وحماة شريعته، والمجاهدون لإعلاء كلمته: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقد دعا نوح ﷺ قومه للإسلام ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكذبوه، وما آمن معه إلا قليل، ولما لم يجد منفذاً إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة، وسخروا منه وأذوه، وأوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، عندئذٍ توجه بالدعاء إلى ربه وحده، يشكوا إليه ما لقيه من تكذيبٍ من قومه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ٩ - ١٤].
إنه عندما يتجمد الأحياء على هذا النحو، وتقسوا قلوبهم إلى هذا الحد، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام في طريق الكمال المرسوم، فتجدهم عقبه في الطريق، عندئذ إما أن تتحطم هذه المتحجرات، وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضى، والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح، ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية، وفي أول الطريق، فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من أول الطر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ