للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكذلك الله ﷿ خالق العباد وأفعالهم الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلوب، ويجعل فيها التوبة والإنابة، وأضدادها، وكل عبد مفتقر في كل لحظة إلى هداية يجعلها الله في قلبه، وحركات يحركه بها في طاعته، وهذا إلى الله سبحانه، فهو خلقه وقدره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)[النحل: ٥٣].

فمن هداه وصلاحه ونجاته بيد غيره، من أحق بالخوف منه؟ ومن هنا كان خوف أولياء الله من فوات الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)[المؤمنون: ٦٠ - ٦١].

والعلماء هم الذين يخشون الله ويخافونه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)[فاطر: ٢٨].

والعلم بالذات لا يكفي في الخوف، بل لا بدَّ من العلم بأمور ثلاثة:

الأول: العلم بقدرة الله، فإن الملك مثلًا عالم باطلاع رعيته على سوء أفعاله، لكنه لا يخافهم، لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها.

الثاني: العلم بكونه عالمًا بكل شيء، فالسارق من مال السلطان يعلم قدرته، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه.

الثالث: العلم بكونه حكيمًا، فالعامل عند السلطان عالم بكونه قادرًا على منعه، وعالم بفعله للقبائح، لكنه يعلم أنه قد رضي بما لا ينبغي، فلا يحصل الخوف.

فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالمًا بجميع المعلومات، قادرًا على جميع الكائنات، غير راضٍ بالفواحش والمنكرات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)[محمد: ١٩].

<<  <  ج: ص:  >  >>