ونحن ليس فينا من هو في مستوى هارون ﷺ ولا في مستوى أبي بكر ﵁، لكن الذي يستهزئ بالداعي والمسئول تُكتب عليه المعصية لا الردة.
فجمع الأسباب والوسائل مزاج بني إسرائيل من اليهود، ومزاج ترك الأسباب والوسائل مزاج النصارى باتخاذ الرهبانية، وهذه الأمة ليس مزاجها الجمع، وليس مزاجها الترك، والله بعث رسوله محمداً ﷺ ليُعلم الأمة النية الصحيحة، والعمل الصحيح، فالذين امتنعوا عن الأكل والجماع لهم نيةٌ صحيحة، ولكن العمل خطأ، ومزاج هذه الأمة التضحية بالأسباب والوسائل من أجل الدين: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وأكثر الناس لا يُفرق بين التضحية والأضحية، فالأضحية جاءت من التضحية والتربية: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
فملة إبراهيم ﷺ التضحية، هو ضحى بالحياة فوهب الله له الحياة، هو ضحى بالبلد، فالله عظم البلد مكة، وهو ضحى بالولد، الله عظم الولد وأحياه وجعله نبيًا وكان من نسله أفضل نبي ﷺ، هو ضحى بأم الولد، فعظم الله أم الولد فجعلها الله أماً للعرب، وجعل خطواتها بين الصفا والمروة عبادةٌ مقدسة إلى يوم القيامة لكل حاجٍ ومعتمر.
فكل شيءٍ ضحى به إبراهيم لله وهبه الله له فورًا.
وفي جهد الدعوة إلى الله أي شيءٍ نُضحي به يهبه الله لنا فورًا.
هذه هي ملة إبراهيم ﷺ والتي سار عليها النبي ﷺ وأصحابه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ