الله سبحانه أعطى هذه الأمة ما أعطى الأنبياء والرسل، وهو الدعوة والعبادة ولهذا أكمل الله لهذه الأمة عبوديتها قبل أن يكمل تشريعها، ولما كملت عبوديتها في فقه الدعوة، والقيام بها، فتح الله لهم أبواب السماء وعُرج بالنبي ﷺ إلى السماء وفُرضت عليه الصلاة، ثم جاءت بعدها بقية الأحكام الشرعية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥].
والفرق بين كمال العبودية، وكمال التشريع، هو أن كمال التشريع، وهو نزول كل الأوامر من عبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج، ومعاملات، ومعاشرات، وأخلاق اكتمل في ثلاثٍ وعشرين سنة، وكمال العبودية أن يكون عندنا الاستعداد التام لقبول الأوامر، سواءً قبل نزول التشريع أو بعده، وقد ذم الله أهل الكتاب؛ لأنهم ليس عندهم كمال العبودية، ولهذا لما جاءت الأوامر عليهم قالوا سمعنا وعصينا، فليس عندهم استعدادٌ لقبول الأوامر: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].