للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلولا كفر الكافرين، وعناد الجاحدين، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة، ومع ظهورها فما أقل من يؤمن بها: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)[الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠].

ومنها أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضا، هو من شأن كمال الربوبية، والقدرة النافذة، والملك الكامل، وإن كان شأن الربوبية شاملًا كاملًا في نفسه، ولو لم تُخلق هذه الأسباب لكان ظهور آثارها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال الإلهي، فالعبودية والآيات والعجائب والفوائد التي ترتبت على خلق ما لا يحبه الله ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه سبحانه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.

فإن قيل: فإن كانت هذه الأسباب مرادة للرب، فهل تكون مرضية محبوبة له؟.

قيل: هو يحبها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.

فإن قيل هل يمكن حصول تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟.

قيل هذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.

وسر المسألة أن الرضا بالله يستلزم الرضا بأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها، بل حقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما يرضى به، ويسخط منها ما يسخطه.

<<  <  ج: ص:  >  >>