أَحَدُهُمَا: أَنْ جَعَلَ لَهَا أَثْمَانًا وَالْعَقْدَ عَلَيْهَا صَحِيحًا.
وَالثَّانِي: أَخَذَ الْعُشْرَ مِنْهَا وَلَوْ حُرِّمَتْ أَثْمَانُهَا لَحُرِّمَ عُشْرُهَا قَالَ وَلِأَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ فِي عُرْفِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِمْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَالُوا وَلِأَنَّهُ مِنْ أَشْرِبَتِهِمُ الْمُبَاحَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْإِتْلَافِ كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ قَالُوا وَلِأَنَّ مَا اسْتَبَاحُوهُ شرعاً ضمناه لهم وإن منعا مِنْهُ شَرْعًا قِيَاسًا عَلَى بُضْعِ الْمَجُوسِيَّةِ يَضْمَنُهُ الْمُسْلِمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الشَّبَهِ قَالُوا وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُتَمَوَّلًا عِنْدَ مَالِكِهِ ضَمِنَ بِالْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ عِنْدَ مُتْلِفِهِ قِيَاسًا عَلَى المصحف إذا أتلفه دمي عَلَى مُسْلِمٍ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ " إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا، هُوَ حرامٌ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عِنْدَ ذَلِكَ: " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ ثُمَّ أَكَلُوا ثَمَنَهُ ".
فَدَلَّ تَحْرِيمُهُ لِبَيْعِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مَالًا إِلَى صَنْعَتِهِ لَا إِلَى صِفَةِ مَالِكِهِ لأن صفات السيء قَدْ تَخْتَلِفُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ مَالًا وَيَخْتَلِفُ مَالِكُوهُ فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ مَالًا كَالْحَيَوَانِ هُوَ مَالٌ لِمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ثُمَّ لَوْ مَاتَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ثُمَّ لَوْ دُبِغَ جِلْدُهُ صَارَ مَالًا لِمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ مَالًا لِلْكَافِرِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَالُ الْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالسَّبْيَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ ويتحرر من اعتلاله هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَالًا مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَمْ يَكُنْ مَالًا مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ كُلُّ عَيْنٍ لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَشْغَلَ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ بِثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَشْغَلَ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ بِقِيمَتِهَا أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يستحقه المسلم من عوض الخمر لم يستحق الْكَافِرُ كَالثَّمَنِ وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فَوَجَبَ أَلَّا يَسْتَحِقَّ عَلَى مُتْلِفِهِ قَيِّمَةً كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ عَلَى مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْلِمُ بِإِتْلَافِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ لَمْ يَضْمَنْهَا بِإِتْلَافِهَا عَلَى الْكَافِرِ كَالْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَلِأَنَّ مَا اسْتُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ إِذَا لَمْ يُمَلَّكْ الِاعْتِيَاضُ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ فَمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ أَوْلَى أَنْ لَا يملك الاعتياض عليه قِيَاسَانِ: أَنَّ مَا حُرِّمَ نَفْعًا فَأَوْلَى أَنْ يُحَرَّمَ عِوَضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ مِنْ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ تَقْوِيمَ الْخَمْرِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْتَضِي فِي التَّقْوِيمِ تَفْضِيلَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارًا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ لَمَّا لَمْ تقتضي اختلافها في
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.