والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ يُكْذِبُهَا فينتزع عن يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَكْذَبَهَا وَلَا يُرْجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالدَّرَكِ لِتَكْذِيبِهَا لِمَا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبُهَا مِنْ براءة المشتري ويعلم المستحق والله أعلم.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ لَا يُكَذِّبُهَا فَإِذَا انْتَزَعَ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ بِدَرَكِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ غَابَ الْمُشْتَرِي وَحَضَرَ الْبَائِعُ فَصَالَحَهُ الْحَاكِمُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ ثُمَّ حَكَمَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَصَارَ دَيْنًا لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَدَفَعَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي إِلَى الشَّفِيعِ.
مَسْأَلَةٌ
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا ثُمَّ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِوَزْنِهَا فَاسْتُحِقَّتِ الدَّنَانِيرُ الْأُولَى فَالشِّرَاءُ وَالشُّفْعَةُ باطلٌ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا تَقُومُ مَقَامَ الْعَرَضِ بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الدَّنَانِيرُ الثَّانِيَةُ كَانَ عَلَى الشَّفِيعِ بَدَلُهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشقص بمثل الثمن فإذا كان الثمن دنانيراً أَخَذَهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ فَإِنْ بَذَلَ عَنِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهَا فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا جَازَ وَكَانَ بَيْعًا مُسْتَجَدًّا تَبْطُلُ مَعَهُ الشُّفْعَةُ وَإِنِ امْتَنَعَ أَلَّا يَأْخُذَ إِلَّا مِثْلَ دَنَانِيرِهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الشَّفِيعُ مِثْلَهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ دَنَانِيرُ الْمُشْتَرِي فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً بِالْعَقْدِ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُعِينَةً لِتَبَايُعِهِمَا عَلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا بَطَلَ الْبَيْعُ بِاسْتِحْقَاقِهَا كَمَا يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ مِنْ عُرُوضٍ وَسِلَعٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ بِالْعَقْدِ وَإِنْ عُيِّنَا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّهُمَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعُقُودِ وَإِذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ بِتَعَيُّنِهِمَا بِالْعَقْدِ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ وَاسْتُرْجِعَ الشِّقْصُ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا عَنِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا بَطَلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي بَطَلَ مِلْكُ الشَّفِيعِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ بِاسْتِحْقَاقِهَا لَهَا لِمُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا، وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهَا وَالشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ الَّذِي اسْتَحَقَّهَا بِهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوِ اسْتُحِقَّتْ دَنَانِيرُ الشَّفِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ عَيَّنَهَا عِنْدَ أَخْذِ الشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ بِاسْتِحْقَاقِهَا فَإِنْ أَحْضَرَ بَدَلَهَا كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ أعسر ببدلها بطلت شفته بِإِعْسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَهَا عِنْدَ شُفْعَتِهِ بِأَنْ قَالَ قَدْ أَخَذْتُ الشِّقْصَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ فَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبي علي بن أبي هريرة إِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا اسْتِحْقَاقًا فَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِنْ أَتَى بِبَدَلِهَا فَإِنْ أَعْسَرَ بِالْبَدَلِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.