بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ رَحْمَةً وَصِفَاتُهُ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ» اه. وَذكره عَنْهُ عِيَاضٌ فِي «الشِّفَاءِ» . قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُطِرَ عَلَى خُلُقِ الرَّحْمَةِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ مُعَامَلَتِهِ الْأُمَّةَ لِتَتَكَوَّنَ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ وَبَيْنَ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هِيَ رَحْمَةٌ حَتَّى يَكُونَ تَلَقِّيهِ الشَّرِيعَةَ عَنِ انْشِرَاحِ نَفْسٍ أَنْ يَجِدَ مَا يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ مُلَائِمًا رَغْبَتَهُ وَخُلُقَهُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»
. وَلِهَذَا خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ وَلَمْ يَصِفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التَّوْبَة: ١٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمرَان:
١٥٩] أَيْ بِرَحْمَةٍ جَبَلَكَ عَلَيْهَا وَفَطَرَكَ بِهَا فَكُنْتَ لَهُمْ لَيِّنًا.
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»
. وَأَمَّا الْمَظْهَرُ الثَّانِي مِنْ مَظَاهِرِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَهُوَ مَظْهَرُ تَصَارِيفِ شَرِيعَتِهِ، أَيْ مَا فِيهَا مِنْ مُقَوِّمَاتِ الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى لِلْعالَمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رَحْمَةً.
والتعريف فِي لِلْعالَمِينَ لِاسْتِغْرَاقِ كُلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَالَمِ. وَالْعَالَمُ:
الصِّنْفُ مِنْ أَصْنَافِ ذَوِي الْعِلْمِ، أَيِ الْإِنْسَانُ، أَوِ النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ ذَاتِ الْحَيَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمَالِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْفَاتِحَة: ٢] . فَإِنْ أُرِيدَ أَصْنَافُ ذَوِي الْعِلْمِ فَمَعْنَى كَوْنِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مُنْحَصِرَةً فِي الرَّحْمَةِ أَنَّهَا أَوْسَعُ الشَّرَائِعِ رَحْمَةً بِالنَّاسِ فَإِنَّ الشَّرَائِعَ السَّالِفَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِرَحْمَةٍ إِلَّا أَنَّ الرَّحْمَةَ فِيهَا غَيْرُ عَامَّةٍ إِمَّا لِأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْحَنِيفِيَّةُ شَرِيعَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ رَحْمَةً خَاصَّةً بِحَالَةِ الشَّخْصِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.