وكان حين وخط (١) المشيب عارضه، وأسكت معارضه، أشدّ مما كان عارضة، وأشدّ معارضة. فلم يمتدّ معه لمجادل نفس، ولا رفع رأسه نحو مناظر إلا نكس لثاقب فكرة حطّ عنها قناعها، وكثر لكل قريع الحزم قراعها، فتقهقر كل متقدّم عن مكانه، وعلم أن دونه ما في إمكانه.
لم أر له نظيرا في مجموعه وإتقانه، واستحضاره، واطّلاعه.
كان مجيدا في الأصول، والحديث، والفقه، والأدب، واللغة، والنحو، والعروض، وأسماء الرجال، والتاريخ، والشعر. يحفظ للعرب، والمولّدين (٢)، والمتأخرين.
غاية في الطب والحكمة، ومعرفة الخطوط - خصوصا خطوط المغاربة - قد مهر في ذلك وبرع، وإذا تحدّث الناس في شيء من ذلك كله، تكلّم على دقائقه وغوامضه، ونكته، حتى يظنّ سامعه إنما أفنى عمره في ذلك الفن!.
قال شيخنا العلاّمة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي (٣) - وهو ما هو -: ما أعرف أحدا مثل الشيخ ركن الدين. أو كما قال. وقد رأى جماعة ما أتى الزمان لهم بنظير بعدهم مثل الشيخ.
(١): وخط المشيب: أي خالطه وفشا شيبه، والعارض: من اللحية: ما ينبت على عرض اللحى فوق الذقن، وقيل: عارضا الإنسان صفحتا خديه. (٢): الشاعر المولّد: هو شاعر من الطبقة التي جاءت بعد الجاهليين والمخضرمين كالفرزدق وجرير. (٣): أبو الحسن السبكي: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي: أبو الحسن، تقي الدين، شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفّاظ المفسرين، المناظرين، وهو والد التاج السبكي صاحب الطبقات. ولد سنة ٦٨٣ هجرية، في سبك من أعمال المنوفية في مصر، وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام، وولي قضاء الشام سنة ٧٣٩ هجرية، واعتل فعاد إلى القاهرة فتوفي فيها سنة ٧٥٦ هجرية. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية ٦/ ١٤٦، والأعلام للزركلي ٤/ ٣٠٢، والدرر الكامنة ٣/ ٦٣.