فَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيُّ: مَالِحًا، كَمَا قَالَ: عُذَافِرُ، وَهُوَ الْفُقَيْمِيُّ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي بَابِ فَعَلَ وَأَفْعَلَ بِاتِّفَاقِ مَعْنًى: "مَلُحَ الْمَاءُ وَأَمْلَحَ" (١) بِضَمِّ اللَّامِ مِنْ مَلُحَ، فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: مَاءٌ مَلِيحٌ وَمُمْلِحٌ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يُقَالَ: مَاءٌ مَالِحٌ.
فَلَوْلَا الرِّوَايَةَ وَمَا أَنْشَدْنَاهُ مِنَ الأَشْعَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكَانَ قِيَاسُهُ أَلَّا يَجُوزَ، لأَنَّهُ يُقَالُ: مَلَحْتُ الشَّيْءَ: إِذَا جَعَلْتَ فِيهِ الْمِلْحَ بِقَدَرٍ، فَإِنْ أَكْثَرَتَ مِنَ الْمِلْحِ قُلْتَ: أَمْلَحْتُهُ. فَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: سَمَكٌ مَلِيحٌ وَمَمْلُوحٌ، فَإِنْ أُكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْمِلْحِ قِيلَ: سَمَكٌ مُمَلَّحٌ.
فَأَمَّا مَا حَكَوْهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَمَكٌ مَالِحٌ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَنْسُوبِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الْمَفْعُولُ عَلَى لَفْظِ فَاعِلٍ كَقَوْلِهِمْ: مَاءٌ دَافِقٌ، وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ (٢) أَنَّهُ يُقَالُ: مَاءٌ مِلْحٌ، فَإِذَا وُصِفَ الشَّيْءُ بِمَا فِيهِ مِنَ المُلُوحَةِ قُلْتَ: سَمَكٌ مَالِحٌ، وَبَقْلَةٌ مَالَحِةٌ، وَلَا يُقَالُ: مَاءٌ مَالِحٌ، لأنَّ الْمِلْحَ، هُوَ الْمَاءُ نَفْسَهُ وَهُوَ قَوْلٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لأَنَّ صِفَةَ الْمَاءِ بِأَنَّهُ مَالِحٌ أَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ مِنْ وَصْفِ السَّمَكِ، لأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: مَلُحَ الْمَاءُ وَأَمْلَحَ، فَأَسْنَدُوا إِلَيْهِ الْفِعْلَ كَمَا يُسْنَدُ إِلَى الْفَاعِلِ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: "مَلُحَ السَّمَكُ" إِنَّمَا قَالُوا: مَلَحْتُ السَّمَكَةَ، إِذَا جَعَلَتَ فِيهَا الْمِلْحَ.
عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْبَصْرِيُّ: الَّذِي قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَهُ يَعْقُوبُ وَابْنُ دُرَيْدٍ، وَهُوَ الأَشْهَرُ. وَالأعْلَى لِأَنَّ الْمَالِحَ، هُوَ الَّذِي يَمْلَحُ الشَّيْء، وَالشَّيْءُ مَمْلُوحٌ وَمَلِيحٌ: إِذَا أُلْقِيَ فِيهِ الْمِلْحُ" (٣).
(١) أدب الكتاب: ٣٤٨.(٢) هو ابن دريد وكلامه في الجمهرة: ٢/ ١٩١.(٣) الاقتضاب: ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٥ وهو منقول عن التنبيهات: ٣٠٤ - ٣٠٥.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.