بِلَفْظِ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قِيلَ: أَيْنَ تَنْزِلُ، أَفِي بُيُوتِكُمْ الْحَدِيثَ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ: أَيْنَ تَنْزِلُ؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ طَلٍّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: مَا أَشُكُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى، فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ رَبَاعٍ أَوْ دُورٍ) الرِّبَاعُ: جَمْعُ رَبْعٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَبْيَاتٍ، وَقِيلَ: هُوَ الدَّارُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: أَوْ دُورٍ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: مِنْ مَنْزِلٍ، وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَيُقَالُ: إِنَّ الدَّارَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ د ارَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ صَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِهِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ وَلَدِهِ حِينَ عُمِّرَ، فَمِنْ ثَمَّ صَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَقُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِيهَا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَقِيلٌ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ عَلَى الدَّارِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا، وَبِاعْتِبَارِ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ، وَفُقِدَ طَالِبٌ بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيلٌ الدَّارَ كُلَّهَا. وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ بِأَوْلَادِ عَقِيلٍ إِلَى أَنْ بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ (١)، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ: تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ أَيْ حِصَّةَ جَدِّهِمْ عَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ دَارَهُ، وَأَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ تَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مَزِيدُ بَسْطٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى مِلْكِ عَقِيلٍ فَإِنَّمَا لَمْ يَنْزِلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَهَا، وَمَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَنَزَلَهَا.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُفْرَدًا فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْقَائِلَ: وَكَانَ عُمَرُ. . . إِلَخْ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ. . . إِلَخْ) أَيْ كَانُوا يُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بِوِلَايَةِ الْمِيرَاثِ، أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ.
٤٥ - بَاب نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ
١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: مَنْزِلُنَا غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ
[الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩]
(١) بهامش طبعة بولاق في نسخة "بثمانية آلاف دينار"
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.