لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّةِ الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ الدَّجَاجَ، وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِي مُوسَى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا اسْتَحْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَشْعَرِيِّينَ، وَفِيهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَاجِ، وَبِمَا وَقَعَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ مِنْ قِصَّةِ الرَّجُلِ الْجَرْمِيِّ وَتَسْمِيَتِهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَيَأْتِي شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ ; وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَأَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْقَاسِمُ التَّيْمِيُّ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ أَيُّوبَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَحَادِيثُ الْبَابِ مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ أَيْمَانِهِ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْكَفَّارَةَ، وَالَّذِي يَشْرَحُ تَكْفِيرَهُ مَا كَانَ الْحَلِفُ فِيهِ بِاللَّهِ - تَعَالَى - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ - تَعَالَى -.
٥ - بَاب لَا يُحْلَفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ
٦٦٥٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُحْلَفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ) أَمَّا الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ، وَأَمَّا الطَّوَاغِيتُ فَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيتِ وَلَا بِآبَائِكُمْ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَابْنِ مَاجَهْ بِالطَّوَاغِي وَهُوَ جَمْعُ طَاغِيَةٍ وَالْمُرَادُ الصَّنَمُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ طَاغِيَةُ دَوْسٍ أَيْ صَنَمُهُمْ، سُمِّيَ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ لِطُغْيَانِ الْكُفَّارِ بِعِبَادَتِهِ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِي طُغْيَانِهِمْ، وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْحَدَّ فِي تَعْظِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ طَغَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ وَأَمَّا الطَّوَاغِيتُ فَهُوَ جَمْعُ طَاغُوتٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَاغِي مُرَخَّمًا مِنَ الطَّوَاغِيتِ بِدُونِ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَى أَحَدِ الْآرَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيءُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مَوْضِعَ الْآخَرِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى لَفْظِ الطَّوَاغِيتِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ وَعَطَفَهُ عَلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْمَعْنَى ; وَإِنَّمَا أُمِرَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِكَوْنِهِ تَعَاطَى صُورَةَ تَعْظِيمِ الصَّنَمِ حَيْثُ حَلَفَ بِهِ، قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَصْنَامِ أَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَعَلَيْهِ
أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلَّا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: أَنَا مُبْتَدِعٌ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَاحْتُجَّ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ مَعَ أَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالْحَلِفُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُنْكَرٌ، وَتُعُقِّبَ بِهَذَا الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْرَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ كَفَّارَةً، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا حَتَّى يُقَامَ الدَّلِيلُ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الظِّهَارِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا فِيهِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، وَاسْتَثْنَوْا أَشْيَاءَ لَمْ يُوجِبُوا فِيهَا كَفَّارَةً أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: الْحَلِفُ بِمَا ذُكِرَ حَرَامٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِوُجُوبِ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.