تراه - إذا ما جئتَهُ - مُتهللًا … كَأَنَّكَ تُعطيه الذي أنت سائلة
ولو لم يكن في كفِّهِ غَيرُ رُوحِهِ … لجادَ بها فليتق الله سائلة
هو البحر من أي النواحي أتيتَهُ … فلجَّتُهُ المعروف والجُودُ ساحله
ثم بكى، وقال: بلي!! يا جواد. فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت - بعد ذلك - على أقوام بعزّ الاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك؛ فإنك الجواد كل الجواد؛ لأنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له ولا صفة. فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد.
وقال بعضهم: كنا يومًا في بيت الشبلي، فأخر العصر، ونظر إلى الشمس، وقد تدلَّت للغروب، فقال: الصلاة يا سادتي. وقام فصلى، ثم أنشأ يقول ملاعبة، وهو يضحك: ما أحسن قول من قال: [من الوافر]
نَسيتُ اليومَ مِنْ عِشقي صلاتي … فلا أدري عشائي من غدائي
فذكرك سيدي أكلي وشُربي … ووجهكَ إنْ رأيتُ شِفاء دائي
وقال له رجلٌ: إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين؟. قال: إلى سرور من اشتاقوا إليه، وموافقته». وأنشد (١): [من الوافر]
أُسَرُّ بمهلكي فيهِ، لأنّي … أُسَرُّ بما يَسُرُّ الإلف جِدًّا
ولو سئلت عظامي عَنْ بِلاها … لأنكرتِ البلى، وسمعتُ جَحدا
ولو أخرجتُ مِنْ سُقمي لنادى … لهيب الشوق بي يسألهُ رَدًّا
وقال عبد الله البصري: سئل الشبلي وأنا حاضر إلى ماذا تحنُّ قلوب أهل المعارف؟. فقال: «إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة بغيبتهم عنها». وأنشأ يقول: [من الكامل]
سقيًا لمعهدك الذي لو لم يكن … ما كان قلبي للصبابة معهدا
وقيل للشبلي: لم تصفر الشمس عند الغروب؟ فقال: «لأنها عزلت عن مكان التمام، فاصفرت لخوف المقام، وهكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه؛ لأنه يخاف المقام، فإذا طلعت الشمس، طلعت مضيئة، وكذلك المؤمن إذا بعث من قبره خرج ووجهه يشرق». وقال: «أليس الله تعالى يقول: (أنا جليس من ذكرني)؟. فما الذي استفدتم من مجالسة الحق؟». وأنشد (٢): [من الطويل]
(١) ديوان أبي بكر الشبلي ٩٣ رقم ١٢.
(٢) ديوانه ١٢٧ رقم ٦٣.