للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذكرتُكَ لا أني نسيتُكَ لمحةً … وأَيسر ما في الذِّكْرِ ذِكرُ لساني

وكنتُ بلا وَجْدٍ أموتُ مِنَ الهوى … وهامَ عليَّ القلب بالخفقان

فلما أراني الوَجْدُ أنك حاضري … شهدتكَ موجودًا بكل مكان

فخاطبت موجودًا بغير تكلُّمِ … ولاحظت معلومًا بغير عيانٍ

وقال: «أدنى علامات الفقير: لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد، ثم خطر بباله أن يمسك منها قوت يوم، ما صدق في فقره!».

وقال له أبو علي المغازلي: ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى، فتحدوني على ترك الأشياء، والإعراض عن الدنيا، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس، [ثم لا أبقى على هذا ولا على هذا، وأرجع إلى الوطن الأول مما كنت عليه من سماعي القرآن]. فقال الشبلي: «ما [طرق سمعك من القرآن] فاجتذبك الله إليه فهو عطف منه عليك ولطف، وما رددت على نفسك، فهو شفقة منه عليك؛ لأنه لم يصح لك التبري عن الحول والقوة في التوجه إليه».

وقال أحمد بن مقاتل: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة من رمضان، وهو يصلي خلف الإمام، فقرأ الإمام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (١) فزعق زعقة، قلت: طارت روحه، وهو يرتعد، ويقول: بمثل هذا خاطب الأحباب يردد ذلك كثيرًا.

وروي أنه سمع قائلًا يقول: «الخيار عشرة بدانق» فصاح وقال: إذا كان الخيار كل عشرة بدانق، فكيف الشرار؟!.

وسمع القوال يقول شيئًا، فصاح وتواجد، فقيل له: يا أبا بكر! مالك من بين الجماعة؟. فقام وتواجد، وقال (٢): [من البسيط]

لي سكرتان وللندمانِ واحدةٌ … شيءٌ خُصِصْتَ بهِ مِنْ بينهم وحدي

وحكي أن فقيهًا من أكابر الفقهاء يكنى بأبي عمران، كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي في جامع المنصور، وكان كلام الشبلي يعطل على ابن عمران وأصحابه كلامهم، فسأله أصحابه يومًا عن مسألة في الحيض، وقصدوا إخجاله؟. فأجاب الشبلي عنها، وذكر مقالات الناس في تلك المسألة، والخلاف فيها. فقام أبو عمران وقبل رأسه، وقال: يا أبا بكر! قد استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان


(١) سورة الإسراء: الآية ٨٦.
(٢) ديوان ابن أبي بكر الشبلي (الشعر المنسوب) ص ١٦٠ رقم ٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>