للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا إلى أب في النسب يليه، إلا أنهم في الذرية العمرية من معدن شرف، ومثوى كرم، ما يحل منه في طرف.

ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، بقرية «الساويا» من أعمال نابلس، وقيل: بـ «جماعيل».

قال أبو المظفر [الواعظ] سبط ابن الجوزي: «حدثني أبو عمر قال: هاجرنا في بلادنا، فنزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا به [مدة]، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: «الصالحية، الصالحية! ينسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أننا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال أبو المظفر: وكان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسمًا، نحيل الجسم من كثرة الصلاة والصيام والقيام. قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ «مختصر الخرقي» في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر. واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب [الكثير بخطه المليح من المصاحف والكتب مثل:] «الحلية» لأبي نعيم، وتفسير البغوي، و «المغني» لأخيه، والإبانة» لا بن بطة، ومصاحف كثيرة، للناس ولأهله، وكتبًا كثيرة، الكل بغير أجرة.

وكان يصوم الدهر، إلا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعين من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، و «ياسين» و «تبارك» و «الواقعة»، والمعوذتين، و «قل هو الله أحد»، وإذا ارتفعت الشمس لقن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي ثماني ركعات، ويقرأ «قل هو الله أحد» ألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيًا بالقبقاب، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع «الشَّيحَ» من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم، والدقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه، وغيرهم، ويتصدق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة، أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه، وما نهر أحدًا ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: «أنا زاهد ولكن في الحرام!».

<<  <  ج: ص:  >  >>